التفكير الفلسفي
جُبل الإنسان على استخدام العقل في تحليل وفهم الأمور من حوله، فهو ميّزة رئيسية خصّه الخالق بها. العقلانية ليست حكرًا على المختصين بالفلسفة فحسب، بل هي جزء لا يتجزأ من كل إنسان.
القدرة على الشك وطرح الأسئلة حول ماهية الأشياء والوجود نفسه، تعدّ من مظاهر التفكير الفلسفي، والذي يعدّ طبيعيًا وجِبليًا في تكوين الإنسان.
كل فرد، في لحظة معينة، يميل للتأمل والبحث عن إجابات لأسئلة تتعلق بوجوده والعالم المحيط. هذا التأمل هو جزء أصيل في العقل البشري، وهو ما يربط الفلسفة بالتفكير اليومي والعقلاني لكل إنسان.

خصائص التفكير الفلسفي
في عالم الفلسفة، يبرز التفكير بصفات مميزة تشمل التالي:
أولًا، عندما يصادف الإنسان أمورًا تثير استغرابه، يبدأ عقله بالعمل بنشاط لفهم الأسباب وراء هذه الظواهر، مما يولد لديه مزيدًا من الأسئلة.
ثانيًا، يقوم التفكير الفلسفي على الاستقلالية، حيث يعتمد الفيلسوف على قدراته العقلية لتكوين أفكاره بنفسه، دون الاعتماد على آراء الآخرين أو اتباعهم بشكل أعمى.
ثالثًا، التأمل هو جزء لا يتجزأ من العملية الفلسفية، حيث يتعمق الفيلسوف في فكرة محددة، يفكر فيها باستمرار وينقب في أعماقها.
رابعًا، يعتمد التفكير الفلسفي على المنطقية والدقة، بمعنى أن الأفكار يجب أن تكون معبرة عنها بشكل واضح ومحدد، تنطلق من مقدمات منطقية تؤدي إلى استنتاجات صحيحة ونهائية لا تقبل الجدل.
مهارات التفكير الفلسفي
في الفلسفة، يستخدم الفلاسفة مجموعة من المهارات التحليلية والنقدية التي تجسد جوهر البحث الفكري. يُعد الشك عنصرًا أساسيًا، حيث يدرس الفيلسوف الأفكار بشكل مستمر دون الاستقرار على نتيجة نهائية.
ويمكن أن يتخذ هذا الشك شكلين: شك مطلق لا يأتي بنتائج، وشك منهجي يهدف إلى تحقيق استنتاجات محددة. أما النقد في الفلسفة، فيتطلب مراجعة دقيقة للأفكار، معتمدًا على التفكير المنطقي لتقييم صحتها ومعرفة إن كانت تستحق التبني أو الرفض.
الحوار كذلك ضروري لفهم وجهات نظر متعددة والتوصل إلى الحقيقة، مما يتطلب استبعاد الأحكام المسبقة وتقبل آراء الآخرين بكل احترام. فيما يتعلق بمهارات التحليل والتركيب، يقوم الفيلسوف بفك تشفير المشكلة إلى عناصرها الأساسية لدراستها بعمق، قبل إعادة تجميع الأجزاء في إطار جديد قد يقدم حلولاً واضحة ومفهومة.
التعميم والتجريد كخصائص فلسفية تمكن الفلاسفة من التغلب على المعطيات المحدودة للمسائل الخاصة والانطلاق نحو التفكير في العموميات التي تسهم في صياغة حلول عالمية ودائمة، مع التركيز على الأبعاد المعنوية والإنسانية التي تتجاوز الملموس إلى القيم الأعمق.
أهم العوامل التي تدفع الإنسان إلى التفلسف:
اولا: الدهشة:
يؤمن افلاطون بأن شعور الاندهاش إزاء الطبيعة ومظاهرها المتنوعة هو نقطة الانطلاق نحو الغوص في عمق الفلسفة. تستثير هذه الظواهر الفضول الإنساني، مما يدفعنا لاستكشاف أسرار الكون وفهمه بشكل أعمق.
تحت هذا التأثير، ينبعث التفكير الفلسفي الذي يسعى لتجاوز الظاهرة إلى فهم الجوهر. أرسطو يشارك فكرة مشابهة، موضحًا أن الدهشة تعكس إدراكنا للقصور في معارفنا، وهي تحفزنا على طلب المزيد من العلم ليس لمجرد الوفاء برغبة عارضة، بل لتعميق فهمنا للعالم.
هذه المفاهيم تشكل جزءًا من الأسس التي تعتمد عليها الفلسفة في استكشاف وتحليل وجودنا والعالم من حولنا.
ثانيا: الشك:
عندما يكتسب الإنسان معرفة جديدة، فإنه يبتعد عن الدهشة الأولية ويرتقي إلى مرحلة تحليلها والشك في صحتها. يستعمل النقد العقلي كأداة لفحص هذه المعلومات، مما ينبهه إلى وجود استثناءات وعدم ثبات في بعض الحقائق التي بدت مؤكدة، وخصوصًا تلك التي وصل إليها عبر طرق تقليدية دون أساس علمي راسخ.
تتولد عندما تحديات في قبول المعارف المتوارثة، فتتحول إلى دافع قوي للتساؤل والتفتيش عن اليقين. يؤكد الإمام الغزالي على أهمية الشك في فهم الحقائق، مشيرًا إلى أن عدم الشك يمنع الإنسان من الرؤية الواضحة ويتركه في غياهب الجهل.
الرغبة في فهم وتحليل المعرفة تحفز الإنسان للغوص في أعماق هذا الكون، مستكشفًا مختلف الظواهر منذ بداية الوجود وحتى الأحداث اليومية التي تبدو غامضة كالموت والمرض. هذا الاستقصاء لا يقتصر فقط على العالم الخارجي بل يشمل ذات الإنسان نفسه، مما يعزز تفكيره الفلسفي ويزيد من عمق تأملاته حول الحياة وماهيتها.

ما هي الموضوعات التي يتناولها التفكير الفلسفي:
تتنوع العلوم وتختلف تبعاً لموضوعاتها وتخصصاتها، حيث يتمحور علم الاجتماع حول دراسة البنى والأنماط السلوكية في المجتمعات الإنسانية، بينما يفصل علم النفس في دراسة العمليات الذهنية والعاطفية للفرد. تغطي كل دائرة معرفية جانباً محدداً يميزها عن غيرها.
في هذا السياق، يبرز التساؤل حول الفكر الفلسفي وما يشغله من معارف وتساؤلات. الفلسفة كمجال معرفي تتميز بأبعادها الواسعة التي تشمل التأمل في الوجود والأخلاق والمعرفة والجمال. تتسم بمحاولاتها لفهم الحقائق الكبرى عن العالم والتجربة الإنسانية من خلال تفكير نقدي منظم ومناقشات معمقة.
لذا، تعد الخصائص الأساسية للتفكير الفلسفي تشمل العمق في التحليل، الشمول في التناول، والسعي نحو فهم الأسئلة الأساسية التي تتقاطع مع مختلف جوانب الحياة والواقع الإنساني.
اولا: علم المعرفة:
إن التفكير العلمي يعني السعي لاكتساب المعرفة. بالمقابل، تقوم الفلسفة بتحليل وفحص هذه المعرفة، معتمدة النقد والتفنيد في ذلك.
ثانيا: علم القيم:
العلوم البشرية تستكشف الأفكار والظواهر التي تؤكد وجودها الطبيعة، بينما الفلسفة تتناول ما يجب أن يحدث ونماذج الكمال، مثلما طرح أفلاطون في فكرة المدينة الفاضلة. الفلسفة تحث المرء على استكشاف الأمور المثلى والمشكلات بطريقة نقدية وبناءة.
ثالثا: علم الإنسان:
تُركز الفلسفة بشكل أساسي على الإنسان، معتبرة إياه محورًا لتفكيرها وبحثها. ولهذا السبب، تهتم بدراسة مختلف الجوانب المتصلة بالإنسان سواء كانت متعلقة به مباشرةً أو بشكل غير مباشر. يُنظر إلى الإنسان على أنه العنصر الرئيسي الذي تستند إليه العديد من النظريات والمفاهيم الفلسفية.
رابعا: اللغة:
تتميز المناهج الفلسفية بأنها تفتح الباب لاستكشاف اللغة وتوضيح معانيها. الفلاسفة يستخدمون مهاراتهم العليا وفهمهم العميق لفك رموز النصوص والموضوعات المعقدة، ليقدموا شرحًا واضحًا ومفصلاً يسهل فهمه، ويعملون على إزالة أي تعقيد أو غموض قد يعتريها.