قواعد الحديث وفن الاستماع
تُعتبر الالتزامات بقواعد المحادثة ومهارات الاستماع جزءاً من أصول الأدب والمهارات الاجتماعية التي تظهر مدى رقي الفرد وتقديره للذوق العام. تُساهم هذه السلوكيات في تشكيل صورة إيجابية للشخص في محيطه الاجتماعي.
في عالمنا المعاصر، هناك نقص ملحوظ في تطبيق هذه المهارات، حيث يغلب على الكثيرين التركيز على آرائهم الشخصية مما يؤدي إلى تجاهل الآخرين أثناء الحوار. هذا السلوك يمكن أن يؤدي إلى زيادة التوترات والخلافات خلال النقاشات في المجتمعات.
على سبيل المثال، قد تتحول بعض المناقشات إلى نزاعات حادة تفتقر إلى الاحترام المتبادل، مما ينتج عنه تبادل الإهانات والسخرية. هذا النوع من التفاعلات يخلق بيئة معادية ومليئة بالكراهية، ويؤثر سلباً على كل من يشارك فيها.

أهمية قواعد الحديث والاستماع للفرد والمجتمع
تعلّم فنون الكلام والإنصات يسهم في إحساس الفرد بأنه مقدر ومحبوب في البيئة التي يعيش فيها. الأشخاص الذين يتقنون هذه المهارات يجدون أريحية في التفاعل مع الآخرين، مما يؤدي إلى تكوين علاقات إيجابية ومودة ملحوظة في التعاملات اليومية.
المجتمعات التي تعتمد هذه المعايير تتميز بجلسات أكثر حميمية وتفاهم، حيث تسود الأجواء الداعية إلى التناقش الهادف وتبادل الآراء بشكل بنّاء. هذه التفاعلات لا تفتح مجالاً واسعاً للاستفادة المتبادلة فحسب، بل تعزز أيضاً من التطور الشخصي للأفراد.
أما بالنسبة للتواصل الفعّال، فإن الكلام الهادئ والمقنع يزيد من قدرة الشخص على التأثير في الآخرين. الكلام العدائي قد يعيق الرسالة مهما كانت صائبة، وتجاهل الإنصات يمكن أن يُعتبر إهانة للمتحدث، مما يؤدي إلى سوء التفاهم وفوات جوهر الموضوع المطروح.
أمثلة على قواعد الحديث وآداب الاستماع
عندما نستمع إلى الآخرين، من المهم جدًا أن نعطيهم الوقت الكافي ليعبروا عن أفكارهم ومشاعرهم دون مقاطعة، وأن نظهر اهتمامًا بالاستماع لما يقولون. مراقبة لغة الجسد مثل تعابير الوجه وحركات العين تُفيد في إبراز استماعنا وتفاعلنا مع الحديث. يُفضل الابتعاد عن الثرثرة غير المفيدة والأحاديث التي لا تثير اهتمام من نخاطبهم لأن ذلك قد يُولِّد الملل والضجر لديهم.
يجب علينا تجنب الحديث المستفيض والمبالغ فيه حتى لا نشعر المستمعين بأنهم مُجبرون على الاستماع إلى مواضيع لا تهمهم. كما ينبغي التحاشي عن نقد الآخرين أثناء حديثهم أو التعليق بكلمات تسبب الأذى والجرح لمشاعرهم. يجب الامتناع عن مقاطعة الأشخاص أثناء حديثهم، وفي الوقت نفسه، يجدر بنا تجنّب طرح القصص المُحزنة أو المُحرجة التي قد تعيد إلى ذهن الآخرين ذكريات مؤلمة.
يُراعى كذلك الكلام بنبرة صوت معتدلة وبسرعة تسمح بفهم الجميع لمضمون الحديث. ومن المهم اختيار مواضيع تناسب معرفة واهتمامات الحاضرين؛ لتشجيعهم على المشاركة وإبداء آرائهم. يُستحسن إعطاء فرص للآخرين للتعبير عن أنفسهم بحرية، وتجنب التسلط في الحديث أو التقليل من شأنهم أو التندر عليهم.
احترام خصوصية الآخرين بعدم تدقيق الأسئلة الشخصية، والكلام بلغة واضحة ومفهومة للجميع. كذلك، يجب الامتناع عن التحدث بلغات لا يفهمها الحاضرون أو استخدام مصطلحات معقدة قد تُعيق فهمهم للموضوع.
أخيرًا، من الضروري تجنب الغيبة والنميمة التي لا تفيد وتقلل من قدر الشخص بين أقرانه وتؤدي إلى تشويه صورته. سلوكيات مثل هذه تُعد من الأمور المهمة للحفاظ على تقدير الذات وتقدير الآخرين.
كيف تطور مهاراتك في الاستماع؟
تعتبر مهارة الاستماع إحدى المهارات الأساسية التي يمكن تطويرها بالتمرين المستمر. لتحسين قدرتك على الاستماع بفاعلية، إليك بعض الإرشادات المفيدة التي تمكنك من تحقيق ذلك:

1- انتبه!
لأجل التواصل الفعّال، يجب أن تعطي الشخص الذي يتحدث إليك اهتمامك الكامل. استمع بنشاط وأظهر تقديرك لما يُعرض عليك. علاوة على ذلك، تُشكل لغة الجسد جزءاً لا يتجزأ من كيفية استقبالك للمعلومات وتفاعلك معها. يمكنك تحسين مهارات الاستماع لديك باتباع الخطوات التالية:
1. حافظ على التواصل البصري مع الشخص الذي يتحدث.
2. إزاحة أي فكرة تلهيك عن الاستماع الجيد.
3. تجنب التفكير في الردود أثناء حديث الطرف الآخر وانتظر حتى ينتهي.
4. لا تسمح للمحيط، كالأحاديث الجانبية، أن يأخذ تركيزك.
5. كن واعيًا للإشارات غير اللفظية التي يستخدمها محدثك.
بتطبيق هذه الممارسات، ستكون قادرًا على استقبال وفهم المعلومات بشكل أفضل.
2- أظهر للطرف الآخر أنك تسمعه
استخدم لغة جسدك لتظهر انتباهك للمتحدث، باتباع الخطوات التالية:
قم بتحريك رأسك بين الحين والآخر لتعبر عن موافقتك أو استماعك لما يُقال.
ابدِ تفاعلاً من خلال الابتسامات وتعبيرات الوجه المناسبة للحديث الجاري.
اتخذ وضعية مريحة أثناء الوقوف أو الجلوس، وعبّر عن اهتمامك بالتوجه بجسدك نحو المتحدث أو الميل نحوه بشكل بسيط.
عزز استمرارية الحديث بإدراج تعليقات قصيرة مثل “صحيح” أو “ممتاز”.
أبرز اهتمامك بتذكر تفاصيل من محادثاتكم السابقة وذكرها في سياق مناسب لتؤكد تركيزك وانتباهك لما تم مناقشته معه سابقًا.
3- قدّم تغذية راجعة لمحدّثك
عندما تستمع بتركيز إلى شخص ما، غالبًا ما تكون لديك استجابة أو انطباع حول الكلام الذي سمعته. لذلك، من المهم أن تشارك هذه الأفكار بأساليب متنوعة، مثل:
اعادة صياغة الكلام الذي سمعته بأسلوبك الخاص، يمكنك مثلاً أن تقول: “من خلال ما ذكرت، يبدو أنك تظن أنّ…”، أو “كما أفهم من حديثك…”.
يمكنك أيضًا طرح أسئلة للتأكد من فهمك لبعض الأمور التي قد تكون غير واضحة لك.
تلخيص ما تم قوله بجملة واضحة ومختصرة يساعدك على تأكيد فهمك للموضوع ويظهر لمحدثك مدى اهتمامك وتركيزك في الحوار.
إذا شعرت بأن الكلام قد أزعجك أو تم تفسيره بشكل شخصي، من المفيد أن تعبر عن ذلك بصراحة وتسأل للتوضيح، من خلال قول شيء مثل: “ربما لم أستوعب تمامًا معنى كلامك، هل تقصد قول…؟”
4- لا تطلق الأحكام على الطرف الآخر
عندما تقوم بمقاطعة الأشخاص أثناء حديثهم، قد تؤدي إلى إضاعة الوقت وتحبطهم، مما يجعلهم يحجمون عن التعبير عن أنفسهم بصراحة. لذلك، من المهم اتباع النصائح التالية:
احرص على إعطاء المتحدث فرصة لإنهاء حديثه بالكامل قبل أن تبدأ بطرح أسئلتك.
ابتعد عن التدخل في حديث الآخرين بأسئلة أو بيانات تعارض ما يقولون.
5- أتقن فن الردّ على محدّثك
لكي تصبح مستمعًا فعّالاً، من الضروري أن تتقن فن الردود الموزونة والمتزنة التي تتناسب مع ما يطرحه مُحاورك. سواء كانت هذه الردود إجابات لأسئلته أو تعليقات على أطروحاته، يجب أن تأخذ في الاعتبار النصائح التالية:
احرص دائمًا على أن تكون ردودك صادقة وواضحة، مع انتقاء الألفاظ بدقة لتجنب إيذاء مشاعر محاورك.
عند اختلاف وجهات النظر، يُستحسن استعمال أسلوبٍ رصين ومهذب في طرح رأيك، حافظ على احترام الطرف الآخر وتجنب التعرض لشخصه.
تعامل مع الأشخاص كما تحب أن يُعاملوك، مع مراعاة نبرة الصوت ولغة الجسد، لتعزيز جو من الاحترام والتفاهم المتبادل.